مجموعة مؤلفين

380

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

مفكري اليهود في القرون الوسطى . ولكنه لم يقنع بهذا ، وضم إليه ثمار الفكر الحديث فلسفيا كان أو علميا . وأخذ يبحث ويفلسف حرا طليقا ولكن في دائرة الألوهية . فهو مؤمن إيمانا عميقا ، وإن اتهم بالإلحاد ، ولم يفته أن يبرأ من هذه التهمة . مؤمن على طريقته هو ، لا على طريقة رجال الدين ، مؤمن يعتد بأخوة الحب والإيمان ، فلا يفرق بين موسوى ومسيحي . مؤمن ملأ الإيمان قلبه ، فكان يرى اللّه في كل شئ ، ولا يكاد يرى شيئا سواه . وما أشبهه في كل ذلك بابن عربى ، وكثيرا ما أدت الظروف المتشابهة إلى نتائج متعددة أو متقاربة . ولا نزاع في أن فكرة وحدة الوجود في أساسها وليدة فرط إيمان ، تدفع إليها عاطفة قوية وشعور فياض ، وهي لهذا تلائم تمام الملاءمة الصوفية والروحانيين - أما إذا سلك بها مسك عقلىّ برهانىّ - على نحو ما صنع اسبينوزا - فإنها تصطدم بعدة صعاب فلسفية - ذلك لأنها لا تفسر التغير ، ولا تسلم بفكرة الزمن ، وتنتهى إلى إنكار الكون ، ولا تحل مشكلة الواحد والمتعدد . على أنها ، وهي ضرب من الواحدية ، لا تخلو من شائبة التعدد . وليست صعابها الدينية بأقل من صعابها الفلسفية ، فإنها تقول بإله مطلق مجرد لا نهائي يعز على عامة المؤمنين إدراكه والتضرع إليه والخشوع أمامه . وتكاد تقضى على الأخلاق والتكاليف ، والجزاء والمسؤولية ، برغم أنها تعد صورة من صور التأليه الغالية . ومع هذا غذت عواطف متأججة ، وفتحت مجالا أمام الشعراء والأدباء . وإذا كان قد تغنى بها شعراء ألمان وإنجليز في القرن التاسع عشر ، فإنه سبقهم إلى ذلك شعراء مسلمون عرب وفرس في القرنين الثالث عشر والرابع عشر ، وخلفوا من غنائهم صفحات فيها بهجة وجمال ومتعة . وهل هناك عاطفة أسمى من عاطفة الحب ؟ لقد كانت غاية الشوط ونهاية النهاية عند ابن عربى واسبينوزا .